الاثنين، أبريل 28، 2008

ادفعوا تعويض «أجريوم» وانقلوا الملكية لبنك «الائتمان»

بقلم خالد صلاح ٢٨/٤/٢٠٠٨
تجريد وطن بالكامل من ثرواته في الطاقة وإمكانياته في الغاز الطبيعي لصالح شركة أجنبية، ودون عائد عملي وحقيقي لصالح مصر هو عمل يتجاوز كل منطق، ويتعدي كل حدود. مصنع أجريوم ينطبق عليه هذا الوصف بلا مبالغة، وبدون أي تجاوز علي السادة المسؤولين في الحكومة.

فبعد الاطلاع علي نص العقد، الذي تأسس بمقتضاه هذا المصنع ـ والذي حصل عليه الزميل وليد غطاس، وانفردت بنشره جريدة «المصري اليوم» ـ لم يخالجني الشك في أن أزمة أجريوم تتجاوز كونها مشكلة بيئية لمنشأة صناعية توزع التلوث علي سكان دمياط ومصيف رأس البر، بل تمتد لما هو أكبر من ذلك، فالمصنع والعقد والتفاصيل مجتمعة تقدم نموذجا لجريمة (التجريف المتعمد) لثروات مصر في الطاقة بلا سبب أو مبرر، وتمثل مثالا نابضا (بالسذاجة الحكومية)، إن تعاملنا بحسن النوايا، إن لم يكن (فسادا) مكتمل الملامح إن أردنا توصيفا دقيقا لهذا العقد.

الحكومة تعهدت بأن تقدم الغاز الطبيعي إلي المصنع بالأسعار العالمية، في الوقت الذي يوجه هذا المصنع ٧٥ % من إنتاجه من الأسمدة إلي التصدير الخارجي، أي أننا نستهلك الغاز الذي تحتاجه الصناعات المحلية ونقدمه لشركة أجنبية لتصنع منه منتجا للتصدير لا تنتفع منه السوق المحلية بأي حال، وكأننا هنا استبدلنا بعمليات تصدير الغاز السائل إلي الخارج تصديره علي هيئة سماد، وأريد أن أذكرك فقط بأن الغاز يشكل ما يقرب من ٧٠ % من المواد الخام اللازمة لإنتاج الأسمدة.

ما الذي ننتفع به إذن؟ اقرأ العقد لتكتشف أيضا أن الشركة معفاة بالكامل من الضرائب باعتبارها خاضعة لنظام المناطق الحرة، أي أن أجريوم يحصل علي الغاز ليصدره علي هيئة سماد، ثم لا يسدد مليما واحدا كضريبة للدولة، في نفس الوقت الذي لا يوفر فيه عمالة إلا لعدد أقل من مائتي شخص فقط طوال الأعوام الخمسة والثلاثين للعقد
!!

ما الوصف الذي يستحقه هذا العقد إذن؟ هل هو سذاجة لمن وقّعوا عليه من الجانب الحكومي، أم أنه فساد لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه؟

ما الذي ننتفع به بالله عليكم إن كانت الشركة حصلت علي الأراضي بإعفاءات خاصة، لكونها شركة أجنبية؟

وما الذي يعود علي بلادنا من هذا المصنع، إن كان ٧٥% من إنتاجه خاصا بالتصدير، وأرباح هذا التصدير تصب مباشرة لصالح أصحاب المصنع من الشركاء الأجانب، يحصلون علي الغاز من الثروات المحلية، وعلي المياه من نهر النيل، ويوزعون التلوث في جزيرة رأس البر، ثم نعفيهم من الضرائب بنظام المناطق الحرة، ولا نلزمهم بتوظيف أكثر من ١٨٨ عاملا مصريا؟

بالعامية المصرية أقول (أكلنا إيه شربنا عليه ميه)، يعني إيه الكلام ده يا جماعة؟، هل يمكن أن يخرج علينا رجل من الحكومة ليفسر هذا العقد، هل هو إذعان للشريك الأجنبي، هل نتسول المستثمرين الأجانب بهذا القدر من الانحطاط في التعاقد؟ هل نقدم ثرواتنا من الغاز ومن المياه ومن العمالة ومن الأراضي والموانئ والتسهيلات بهذا القدر من التنازل، وبلا ثمن تقريبا؟ وما الذي ينفع الاقتصاد المصري من عقد بلا قيمة كهذا الذي وقعناه مع أجريوم؟

كيف نصف هذا التجريف المتعمد، أهو سذاجة أم فساد؟
لا أريد الوصول بالأمر إلي توصيف الفساد، دعنا نقول بحسم إنها سذاجة، حسنا، إن كان كذلك.. كيف يمكن حل هذه المشكلة، التي سببتها السذاجة الحكومية؟

الحل عندي هو أن نتعامل مع التهديد الذي أطلقته السفارة الكندية وندفع علي الفور تعويضا للأجانب من أصحاب المصنع وليذهبوا باستثماراتهم إلي أي بقعة أخري غير أراضينا، ادفعوا لهم التعويض، الآن وليس غدا ونحن الرابحون بالتأكيد.
كم يطلبون؟٤٥٠ مليون دولار، هو رقم قد يبدو مفزعا من الوهلة الأولي، لكنه في تقديري لا يساوي شيئا مقابل الفزع الحقيقي الذي يسببه العقد، ولا يساوي شيئا بالمقارنة مع هذه الثروة من الطاقة المصرية والغاز الطبيعي الذي كان من المقرر أن يستهلكه هذا المصنع طوال سنوات العمل لا لشيء إلا للتصدير، ولا أرباح إلا في جيوب الكنديين فقط.

ادفعوا التعويض واسمحوا لهم بالرحيل لأننا سنكسب الغاز المصري ونوجهه لاستثمارات تنفع الداخل بدلا من استنزاف كل هذه الطاقة بلا معني في عقود هزيلة، ادفعوا التعويض بسلام آمنين، ودون بكاء علي ما فات، ودون توجس منكم بأن هذا التعويض خسارة للخزانة العامة، الخسارة الحقيقية أن يبقي هذا العقد بهذه الصورة بتلك التنازلات لمدة ٣٥ عاما لصالح الأجانب، هذه هي الخسارة، تعالوا نبادر إلي توجيه هذا الغاز لصناعة الأسمدة بأيدينا لخدمة السوق المحلية بدلا من إنفاق الغاز لصالح الشركات الأجنبية، تعالوا نبادر إلي صناعة الأسمدة لتكون في خدمة الفلاح المصري ونواجه أزمة ارتفاع أسعار السماد، ونستعد لأزمة الغذاء العالمية المرتقبة، التي ظهرت نذرها السيئة هنا في بلادنا.

عندي اقتراح جاد في هذا الشأن، وأرجو أن تأخذ الحكومة هذا الاقتراح باتزان وبصيرة: لماذا لا يقوم بنك التنمية والائتمان الزراعي برئاسة المصرفي علي شاكر بدفع قيمة التعويض لتنتقل إليه كل ممتلكات المصنع، ثم تقوم الحكومة بتنفيذ بنود العقد المشار إليه مع أجريوم لصالح بنك التنمية والائتمان الزراعي، ويتم نقل المعدات وخطوط الإنتاج إلي مكان آخر بعيدا علي ساحل البحر الأحمر.

بهذا الحل نكسب كثيرا، لا نكسب علي المستوي البيئي فقط، ولكننا نفوز بالغاز المصري ليخدم أراضي مصر، وأسمدة مصر، وفلاحي مصر، ونستعد بهذه الصناعات لتعقيدات ملف الغذاء، ونقدم الأسمدة بأسعار مناسبة للمزارعين، ونوفر علي أنفسنا كل هذا العناء.
الأجانب لا يريدون السماد، بل يريدون الغاز، لا يطمعون إلي التصدير بل يطمعون في الغاز، الغاز هو الميزة النسبية الوحيدة في هذا العقد، ادفعوا التعويض لنفوز بالغاز، ونفوز بالأسمدة، ونفوز بتوجيه ثرواتنا إلي أنفسنا، ونهزم السذاجة التي حررت هذه العقود المؤسفة.

أرجو من الحكومة أن تفكر في ذلك، وأرجو من نواب دمياط وخبراء الزراعة في البرلمان أن يفكروا في ذلك أيضا، وأرجو من الذين يشعرون بالغيرة علي الغاز المصري أن ينظروا إلي الأمر علي هذا النحو، وأتمني من علي شاكر، رئيس بنك التنمية والائتمان الزراعي، أن يدرس جدوي هذا العرض.
إن لم تعجبكم هاتوا لنا فكرة أخري، المهم لا تفرطوا في كل هذا الغاز

!!
لو سمحتم.