الثلاثاء، مارس 04، 2008

دعواتك.. في المترو


بقلم لميس الحديدي ١٩/٢/٢٠٠٨
الحكاية ليست جديدة، لكنها أصابتني بذعر وفزع كبيرين، فقد تحول مترو الأنفاق إلي منبر دعوي ديني.. يتنابز فيه أهل الإسلام مع أهل المسيحية كل بدعواته وكل بمنشوراته، والدولة والقائمون علي المترو يمتنعون ولا يقتربون.

والحقيقة يا سادة أنني لا أدعي أنني من ركاب المترو كثيرا، لكنني قررت أن أستقله قبل أن أحاور ضيوفي في حلقة خاصة عن المترو والقطار في برنامج «اتكلم».

ويا هول ما رأيت.. لن أتحدث عن القطار أو الازدحام أو السلوكيات أو التأخير، فكلها مشاكل جار العمل علي حلها، وجميعها قضايا تحتاج لموازنة وانضباط ويمكن التعامل معها.

لكن ما راعني هو ما يحدث في عربة السيدات، تلك حكاية فريدة لا أظن أنك يمكن أن تشاهدها في أي مكان إلا عندنا ـ فهذه هي «الخصوصية» المصرية بحق.

ولكن لنبدأ من أول الرحلة، وبدايتها سيدة منتقبة ترتدي الشادور الإيراني الشهير، تنادي بصوت مرتفع علي باقي النساء أن يرددن دعاء الركوب، ليس سرا ولكن جهرا: «ياللا يا ستات ادعو معانا»، وبعدها مباشرة يبدأ الدرس الديني. كيف سينالنا عذاب القبر، والثعبان الأقرع الذي سيعصرنا يوم القيامة، وطبعا ابتعدي عن الرجال لأنه لو سلم عليك رجل فهذه جريمة كبري قد تقارب الزني!

ثم يبدأ ترديد عدد آخر من الأدعية تنتهي بدعاء النزول من المترو، وبين الركوب والنزول هناك علي الأقل ١٠٠ دعاء آخر: يعني دعاء دخول الحمام، دعاء السكوت، دعاء الكلام، دعاء الكتابة، دعاء النوم، دعاء الكسل، كله موجود ومتوفر.

لا يوجد طبعا وسط كل ذلك أي كلام عن العمل أو أهميته أو الاجتهاد أو الصدق أو الأمانة أو احترام خصوصية الآخرين، أو احترام الآداب العامة أو النظافة، تلك تفاصيل ثانوية، المهم هنا هو الدعاء، هكذا تكونين مسلمة حقة.

فإذا لوحظ مثلا أنك لا ترددين الدعاء، لأي سبب من الأسباب أو أنك سافرة لا ترتدين الحجاب، أو أنك ترتدين صليبا لأنك مسيحية فعليك أن تقبلي ما تسمعينه وتسكتي، وإلا نالك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، بدءا من اتهامك بالكفر، انطلاقا إلي اتهامات أخري، أظن أن قلمي يعف عن كتابتها، ذلك إذا انتهي الأمر عند الألفاظ، ولم يمتد إلي الدفع باليد أو إجبارك علي ترك المترو تماما.

طبعا إخواننا المسيحيون لم يسكتوا علي ذلك، فبدأوا هم الآخرون في توزيع منشورات مضادة للأدعية الإسلامية، وتلك توزع علي كل من لا يرتدي غطاء علي الرأس.

وهكذا يا سادة تحول المترو ـ وهو وسيلة مواصلات والله في العالم أجمع ـ إلي منبر للتنابز الديني والتفرقة الدينية، بل والفتنة الطائفية.

رئيس شركة المترو أكد لي أن الشركة لا تقبل ذلك وستقاومه، لكننا لم نر حتي هذه اللحظة أي أمن نسائي يوقف تلك الظاهرة أو يمنعها، ربما خشية أن يصيب أفراد الأمن أيضا ما لا يحمد عقباه، من سب ولعن ودعوات بدخول النار أو النار نفسها.

هل يمكن أن نقبل ذلك؟ هل يمكن أن يفرض علينا ذلك؟ وتري ما هو رد فعل أي سائح أو سائحة أجنبية تخطئ يوما وتظن أن المترو وسيلة مواصلات آدمية طبيعية تماما، كما هو الحال في لندن أو باريس أو أي مدينة في العالم، وكيف يمكن أن تشعر مصرية مسيحية ومسلمة غير محجبة، مثلي ومثل كثيرات منا، بالأمان في المواصلات العامة إذا كان لها قانونها الخاص وقواعدها الخاصة.

إن موقفا حازما من تلك الظاهرة يجب أن يتخذ بكل صرامة وبكل موضوعية. الدعوة الدينية مكانها المسجد أو الكنيسة أو المعبد اليهودي، وليس مكانها المواصلات العامة.

لا يمكن أن يفرض علينا سلوك، لمجرد أنه يرتبط بديننا بدعوة المزايدة علينا، أو لمجرد أننا نخاف أن نواجه من يتشحون بالدين لفرض أنماط سلوكهم، لا يمكن أن نقبل أن تتحول المواصلات العامة إلي منابر دينية، والأخطر أن تتحول إلي أماكن للتفرقة الدينية والتطرف، ولست هنا في مجال التأكيد أن الحياة عمل وليست فقط دعاء، فذاك شأن آخر.

إذا لم نقف لظواهر مثل تلك فلا تسألونا بعد ذلك ماذا حدث لسماحة الوطن.. إذا لم تفرض الدولة قانونها فيجب ألا نسأل بعد ذلك ماذا حدث للناس ولماذا زاد تطرفهم؟

فالعجز هنا، وفي أبسط مظاهره، هو شأن الدول الضعيفة والنظم المتهالكة.